ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

11

حجة الله البالغة

وَهَهُنَا سر دَقِيق ، وَهُوَ أَن سنة الله تَعَالَى فِي خلق الْأَفْرَاد والأشخاص من الْحَيَوَان والنبات أَن يكون هُنَالك شقان يضم كل وَاحِد بِالْآخرِ ، ويجعلان شَيْئا وَاحِدًا ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { وَالشَّفْع وَالْوتر } أما الْحَيَوَان فشقاه معلومان ، وَرُبمَا تعرض الآفة شقا دون شقّ كالفالج ، أما النَّبَات فالنواة والحبة فيهمَا شقان ، وَإِذا نَبتَت الخامة وَإِنَّمَا تنْبت ورقتان كل ورقة مِيرَاث أحد شقي النواة والحبة ، ثمَّ يتَحَقَّق النمو على ذَلِك النمط ، فانتقلت هَذِه السّنة من بَاب الْخلق إِلَى بَاب التشريع فِي حَظِيرَة الْقُدس ، لِأَن التَّدْبِير فرع الْخلق ، وانعكس من هُنَاكَ فِي قلب النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأصل الصَّلَاة هُوَ رَكْعَة وَاحِدَة ، وَلم يشرع أقل من رَكْعَتَيْنِ فِي عَامَّة الصَّلَاة ، وضمت كل وَاحِدَة بِالْأُخْرَى وصارتا شَيْئا وَاحِدًا ، قَالَت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا : " فرض الله الصَّلَاة حِين فَرضهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَر وَالسّفر ، فأقرت صَلَاة السّفر وَزيد فِي صَلَاة الْحَضَر " وَفِي رِوَايَة - إِلَّا الْمغرب فَإِنَّهَا كَانَت ثَلَاثًا - . أَقُول الأَصْل فِي عدد الرَّكْعَات أَن الْوَاجِب الَّذِي لَا يسْقط بِحَال إِنَّمَا هُوَ أحدى عشر رَكْعَة ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اقْتَضَت حِكْمَة الله أَلا يشرع فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة إِلَّا عددا مُبَارَكًا متوسطا لَا يكون كثيرا جدا ، فيعسر إِقَامَته على الْمُكَلّفين جَمِيعًا ، وَلَا قَلِيلا جدا ، فَلَا يُفِيد لَهُم مَا أُرِيد من الصَّلَاة ، وَقد علمت فِيمَا سبق أَن الْأَحَد عشر من بَين الْأَعْدَاد أشبههَا بالوتر الْحَقِيقِيّ ، ثمَّ لما هَاجر النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتقر الْإِسْلَام ، وَكثر أَهله ، وتوفرت الرغبات فِي الطَّاعَة زيدت سِتّ رَكْعَات ، وأبقيت صَلَاة السّفر على النمط الأول ، وَذَلِكَ لِأَن الزِّيَادَة لَا يَنْبَغِي أَن تصل إِلَى مثل الشَّيْء أَو أَكْثَره ، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يَجْعَل نصف الأَصْل لَكِن لَيْسَ لأحد عشر نصف بِغَيْر كسر ، فَبَدَا عددان خَمْسَة وَسِتَّة ، وبالخمسة يصير عدد الرَّكْعَات شفعا غير وتر ، فتعينت السِّتَّة ، وَأما توزيع الرَّكْعَات على الْأَعْدَاد فمبني على آثَار الْأَنْبِيَاء السَّابِقين على مَا يذكر فِي الْأَخْبَار ، وَأَيْضًا فالمغرب آخر الصَّلَاة من وَجه لِأَن الْعَرَب يعدون اللَّيَالِي قبل الْأَيَّام ، فَنَاسَبَ أَن يكون الْوَاحِد الْوتر للركعات فِيهَا ووقتها ضيق فَلَا تناسب زِيَادَة مَا زيد فِيهَا آخرا ، وَوقت الْفجْر وَقت نوم وكسل فَلم يزِيد فِي عدد الرَّكْعَات ، وَزَاد فِيهَا اسْتِحْبَاب طول الْقِرَاءَة لمن أطاقه ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى :